في عصر أصبحت فيه بياناتنا الصحية متوفرة على معاصمنا على مدار الساعة، ينقاد ملايين المستخدمين خلف سعي حثيث لتحقيق الرقم الكامل على شاشات هواتفهم. ظهرت مؤخراً ظاهرة نفسية وطبية تعرف باسم أورثوسومنيا، وهي حالة يسعى فيها الشخص بقلق مفرط لتحسين جودة نومه بناءً على تقارير الأجهزة الذكية، لتكون النتيجة المفارقة: أرق دائم وزيادة في مستويات التوتر. تسلط هذه الظاهرة الضوء على الفجوة بين ما تدعيه التكنولوجيا وبين ما يحتاجه أجسادنا بالفعل للحصول على قسط كافٍ من الراحة.
مصطلح أورثوسومنيا يجمع بين الكلمة يونانية "أورثو" (وتعني المستقيم أو الصحيح) و"سومنيا" (وتعني النوم). يصف هذا المصطلح الارتياب المستمر والاهتمام القهري بالبيانات المأخوذة من أجهزة تتبع اللياقة البدنية والساعات الذكية. عندما يستيقظ المستخدم ليشاهد تقييماً منخفضاً لنومه، يبدأ يومه بشعور بالجهد والقلق، حتى وإن كان جسده قد أخذ كفايته من الراحة فعلت الخوارزمية عكس ذلك.
إن الاعتماد المفرط على الساعات الذكية لتحليل ساعات الراحة يحول عملية فطريّة بسيطة إلى مهمة خاضعة للتقييم والمراقبة المستمرة.
تعتمد معظم الساعات والسوارات الذكية على تقنيات تقييم الحركة (Actigraphy) بالإضافة إلى مستشعرات معدل ضربات القلب. رغم تطور هذه التقنيات، إلا أنها تفتقر إلى الدقة المعملية التي توفرها تخطيطات الدماغ في المستشفيات. تسجل هذه الأجهزة الاستلقاء الهادئ في السرير على أنه نوم عميق، بينما قد تحسب القراءة الخاطئة لنبضات القلب الاسترخاء على أنه مرحلة الأحلام.
عندما يستيقظ الفرد وهو يشعر بالخوف من مراجعة تقرير النوم، يفرز الجسم هرمونات التوتر مثل الكورتيزول والأدرينالين. هذا التوتر النفسي يترجم في الليالي التالية إلى صعوبة أكبر في الاسترخاء، مما يؤدي بدوره إلى نتائج أسوأ على التطبيق. تجد الحالة نفسها داخل ديرة مغلقة من القلق المتبادل بين الإنسان والشاشة، حيث تصبح التكنولوجيا مصدر المشكلة وليس الحل.
تُظهر الأبحاث النفسية أن محاولة التحكم القسري في العمليات البيولوجية التلقائية وغالباً ما تؤدي إلى نتائج عكسية. النوم ليس سباقاً أو مهمة يومية تتطلب تحقيق أرقام قياسية، بل هو حالة طبيعية تتطلب الاسترخاء وتهيئة البيئة المناسبة بعيداً عن الشاشات والمشتتات.
للتعامل مع الأورثوسومنيا، ينصح الخبراء بإعادة صياغة علاقتنا مع التكنولوجيا القابلة للارتداء. لا بأس من استخدام البيانات كمؤشر عام، لكن لا ينبغي لها أن تحل محل شعورك الجسدي الفعلي بالراحة أو التعب.
في النهاية، يكمن السر في تحقيق التوازن الصحي؛ فالتقنية وجدت لخدمة راحتنا وليس لإدارتها بقلق. إذا كنت تعاني من اضطرابات حقيقية، فإن استشارة الطبيب المختص تبقى الخيار الأمثل بعيداً عن أوهام الخوارزميات.
هل تتأثر حالتكم المزاجية في الصباح بسبب تقارير النوم على ساعاتكم الذكية؟ شاركونا تجاربكم وآراءكم في التعليقات!









